أحمد بن يحيى العمري
167
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وعامة مساكن سمرقند بالبساتين والحياض والمياه الجارية ، فما تخلو سكة ولا محلة ولا ناحية ولا سوق ولا دار ولا قصبة من نهر جار أو بركة واقفة . . . وبسائر ما وراء النهر من الأنهار المتخرقة [ 1 ] والرياض المتصلة ، والأشجار الملتفة ، والثمار الكثيرة ما لا يوجد مثله في سائر الأمصار ، ولا دمشق ولا غيرها ، وإن قيل أن متنزهات الدنيا أربعة غوطة دمشق أحدها ، وقال بعضهم أنها أفضلها ، ولكن [ 2 ] سغد سمرقند [ 3 ] أطول وأعرض وأفسح وأكثر ماء ، وأمد مدى ، تجول العين في فضائه . حدثني السيد الشريف جلال الدين حسن بن أبي المجاهد الحسيني [ 4 ] السمرقندي عن طول مدى السغد فقال : بقدر عشرة أيام بالسير المعتاد . قلت : وقد قال صاحب أشكال الأرض أنه يكون ثمانية أيام ، فقال : لا لا يكاد يقصر من عشرة أيام ، فأين غوطة دمشق من هذا أو كلها من منبع الماء من واديها إلى تناهيه ، لا يبلغ نصف يوم مع كون السغد مكشوفا ، تسافر العين من أوله إلى آخره ( المخطوط ص 79 ) في فرد مدى نظر ، وما غوطة دمشق هكذا ، لاكتناف الجبلين لواديها ، ولأن أنهار السغد واضحة في خلال خمائلها ، ممتدة في بسيط الخضرة ، لا يحتجب ولا يخفى عن العين ، وليست الأنهار بدمشق [ 5 ] مكشوفة إلا في مجرى الوادي بها ، فأما إذا أشرف المستشرف عليها ، فإنه لا يرى إلا ما يليه ، ولا تقع عينيه إلا على ما يحاذيه ، ولقد بقي من سمرقند متعة الأبصار على ما نابها من النوائب ، وأعترت أنهارها من الشوائب ، وبليت به أغصانها مما تشيب له الذوائب